محمد حسين علي الصغير
125
تاريخ القرآن
ومهما يكن من أمر ، فقد كان الموقف السلبي من نقط المصحف وشكله منهزما حينما عمد المسلمون إلى إعجام القرآن ونقطه بشكل منظم ، توافرت فيه النيات الصادقة ، وتعاقبته الأيدي الأمينة ، مما أدى بالأمر الواقع إلى تيسير تلاوة القرآن ، وصيانته عن الالتباس ، ومقاربتنا إلى نقطة الأمثل . ويبدو أن الرائد الأول لذلك هو أبو الأسود الدؤلي ( ت : 69 ه ) حينما وجدناه قد عالج بادئ ذي بدء مسألة ضبط العلامات الإعرابية في المصحف ، احترازا من اللحن ، وابتعادا عن العجمة ، ورعاية لسلامة النص ، فاستعمل لذلك ما يفرق فيه بين حالات الرفع والنصب والجر بالتنوين وبدونه ، وابتكر باجتهاد فطري منه طريقته الخاصة الأولى باستعمال النقط للحركات ، بصورة مميزة ، عددا ، وموضعا ، ولونا ، كما سترى هذا من قوله لكاتبه : « خذ المصحف ، وصنيعا يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتي فأنقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف ، وإذا كسرتها فاجعل النقطة في أسلفه ، فإن أتبعت هذه الحركات ، غنة ، فأنقط نقطتين . فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره » « 1 » . ومن خلال هذه الرواية المستفيضة ، يتضح أن أبا الأسود قد خالف بين لون المداد المدون به المصحف وبين لونه لوضع هذه الحركات ، وقد جعل هذه الحركات على شكل نقاط في مواضعها المعينة ، وقد ظهر من ذلك ما يلي : أ - نقطة فوق الحرف ، علامة للفتحة . ب - نقطة تحت الحرف ، علامة للكسرة . ج - نقطة في خلال أو بجانب الحرف ، علامة للضمة . د - نقطتين على الحرف ، علامة للتنوين .
--> ( 1 ) السيرافي ، أخبار النحويين البصريين : 16 + ابن النديم ، الفهرست : 40 + ابن الأنباري ، إيضاح الوقف والابتداء : 1 / 39 + القلقشندي ، صبح الأعشى : 1 / 166 .